منوعات

قصة حقيقية وواقعية حدثت في مصر

النجاة. لم يتوسل ولم يقاوم الفكرة. طلب فقط ألا يضيع أبناؤه إلى الأبد. طلب أن يجدوا طريقا لا يمر عبر القسۏة. ثم ترك جـ,ـسده يهدأ كأنما يستسلم لحــ,,ـــــضن بارد.

لأيام طويلة بعد ذلك كان أهل القرية يتحدثون بصوت خاڤت. لم يكن الصمت احتراما فحسب بل خـ,ـوفا. خـ,ـوفا من أن يكون ما حدث مرآة لما يمكن أن يحدث لأي أب لأي بيت حين تتحول الأشياء إلى أرقام. الصياد العجوز اخـ,ـتفى والبحر لم يجب. بكى برونو أمام الجميع بكاء عاليا مرتبكا كأنه يريد أن يسبق الأسئلة بالدموع. انغلق تياغو في صمته لا يخرج إلا للضرورة ولا ينظر في عيون أحد. أما كارلا فلم تنم. كانت تجلس قرب الشاطئ

تحدق في الماء تنتظر بلا يقين بلا وعد. والبحر غير مبال ظل يتنفس كعادته. المد والجزر الموج الريح كل شيء استمر كأن حياة رجل لا تغير نظام العالم. إلى أن قرر البحر أن يعيده. في صباح رمادي حين كان الضباب يلامس سطح الماء رأى ميغيل الصياد الشاب جسدا طافيا على غير العادة. في البداية ظنه خشبة أو شباكا ضائعا. ثم رأى اليد والوجه والملامح التي يعرفها منذ طفولته. توقف قلبه لحظة قبل أن يسمح لعقله بتصديق ما تراه عيناه. لم يتردد. قفز إلى الماء أمسك بالجسد صړخ طلبا للمساعدة سحب دفع

قاوم ثقل الماء واليأس معا. كان خوسيه حيا بالكاد. أنفاسه ضعيفة جـ,ـسده بارد كأنه معلق بخيط غير مرئي بين الذهاب والبقاء. استفاق في مستشفى تفوح منه رائحة المطهرات والملح مزيج غريب لا يشبه أي مكان آخر لكنه شبيها بحياته كلها تعقيم قاس من جهة وبحر قديم من جهة أخرى. فتح عينيه بصعوبة كأن جفنيه يرفعان أعباء أعوام كاملة. في البداية لم يعرف أين هو. كانت الأصوات بعيدة مشوشة والضوء أبيض أكثر مما ينبغي. ظن للحظة أنه ما زال في الماء وأن السقف ليس سوى سطح البحر وقد انقلب.

حاول أن يتحرك لكن جـ,ـسده لم يستجب. شعر بثقل في صدره وببرودة لم تغادر أطرافه بعد. أخذ نفسا قصيرا متقطعا ثم آخر كأن الهواء نفسه يحتاج إلى إقناع. عندها فقط بدأ المكان يتشكل ببطء السرير الأجهزة النافذة الستارة الخفيفة التي تتحرك مع نسمة لا ترى. ثم رآها. كانت كارلا هناك. جالسة قرب السرير قريبة أكثر مما تسمح به المسافة كأنها تخشى أن يختفي إن ابتعدت خطوة واحدة. رأسها منخفض شعرها مبعثر ويداها ترتجفان فوق ركبتيها رغم محاولتها إخفاء ذلك. كانت تبدو أصغر مما هي عليه منهكة وكأن الأيام القليلة الماضية قد سړقت منها سنوات.

حين فتحت عيناه بالكامل شعرت به قبل أن تراه. رفعت رأسها فجأة. التقت نظراتهما. لم تصرخ. لم تناد أحدا. لم تقل شيئا. فقط امتلأت عيناها بالدموع وانسابت بصمت متقطعة ثقيلة كما لو أن كل ما كتمته خرج دفعة واحدة. بكاؤها لم يكن اڼهيارا بل إفراجا عن خـ,ـوف طويل.

مد خوسيه يده ببطء شديد. كانت الحركة شاقة لكنها ضرورية. ضغط على يدها بما تبقى له من قوة ضغطا خفيفا لكنه ثابت. شعرت به وشدت على يده فورا كأن هذا التلامس الصغير هو الدليل الوحيد على أنه ما زال هنا. كان ذلك الضغط الصغير أثقل من كل الكلمات التي لم تقل أثقل من الاعتذارات وأصدق من أي وعد. مرت أيام قبل أن يستعيد شيئا من قوته. كانت الأيام بطيئة متشابهة تقاس بزيارات الأطباء وبحركات الممرضات وبالضوء الذي يدخل ويخرج من النافذة. كان يسمع أصوات البحر أحيانا أو يتخيلها. لم يكن متأكدا. لكنه كان يشعر به قريبا كأنه يراقبه من بعيد.

في إحدى الصباحات حين شعر أن صوته صار أوضح وأن صدره صار أوسع قليلا طلب رؤية أبنائه. لم يأتوا معا. دخلوا واحدا تلو الآخر بتردد واضح. كان برونو أولهم. بدا شاحبا كأن النوم لم يزره منذ زمن. عيناه محمرتان ووجهه مشدود وخطواته غير ثابتة. وقف عند الباب لحظة كأنه غير متأكد إن كان يملك الحق في الاقتراب. خلفه دخل تياغو رأسه منخفض كتفاه منحنيتان ينظر إلى الأرض كما لو كانت تحمل الإجابة التي لا يريد سماعها. جلست كارلا قرب أبيها من جديد في المكان نفسه كأنها تحرسه من الغياب مرة أخرى.

ساد صمت ثقيل قبل أن يتكلم خوسيه صمت لم يكن تحديا ولا ټهــ,ديدا بل كان أشبه بغرفة داخلية أغلق أبوابها على نفسه ليرتب ما تبقى من أفكاره. كان يعرف أن الكلمات القادمة ليست كثيرة لكنها نهائية وأن ما سيقال الآن لن يقال مرة أخرى. في ذلك الصمت مرت عليه حياته كلها دفعة واحدة لا كصور متفرقة بل كإحساس واحد طويل بالإنهاك.

وحين بدأ الكلام كان صوته خاڤتا لكنه واضح مستقرا على غير المتوقع. لم يكن فيه ارتجاف الشيخوخة ولا انكسار الضعف بل ثبات من وقف عند الحافة وعاد. لم يكن في نبرته اتهام ولا ڠضب ولا رغبة في الاڼتقام كأن كل تلك المشاعر سقطت منه في الماء وبقي الجوهر فقط. كان صوت رجل رأى النهاية ولم يعد يخشاها فاختار أن يتكلم قبل أن يفوته الوقت. قال إنه فكر طويلا في البحر. لم يقلها كتشبيه بل كاعتراف. قال إنه حين كان معلقا بين الحياة والمـ,ـۏت لم تمر في ذهنه

الممتلكات ولا الحسابات ولا الأوراق التي كان أبناؤه يتجادلون حولها. لم ير البيت ولا الأرض ولا القارب كأشياء تمتلك بل رأى الأمواج. رأى المد والجزر. رأى ذلك القانون القديم الذي لا يساوم البحر يعطي بقدر ما يأخذ من دون حقد ومن دون ذاكرة ومن دون ادعاء للعدالة. قال إنه فكر في الحياة كما هي لا كما نريدها. في بساطتها التي نحتقرها وفي قسۏتها التي نفاجأ بها رغم أنها واضحة. قال إنه أدرك متأخرا كيف يمكن للإنسان أن يضيع كل شيء حين ينسى المعنى وحين يختزل عمرا كاملا في أرقام وفي أوراق وفي استعجال أعمى.

ثم توقف لحظة. لم يكن التوقف ضعفا بل ثقلا. ثم تحدث عن الإرث. قال إن ما يملكه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للدمار ولا إلى سـ,ـلاح يرفع في وجه من يفترض أنهم أحب الناس إليه. قال إن البيت الذي ظنوه حجرا وأرضا وحدودا لم يكن يوما مجرد عقار. كان ذاكرة متراكمة وكان ملجأ من العواصف وكان وعدا غير مكتوب بالاستمرار. لم يكن غنيمة ولم يبن ليكون سببا للقطيعة. قال إنهم حين نظروا إليه لم يروا ما فيه بل رأوا ما يمكن أن يباع منه. وحين نظر هو

إليه رأى وجوها وأصواتا وأعواما لا تستعاد. ثم ذكر ميغيل. قال إن ميغيل الرجل الذي لم يكن لديه ما يكسبه هو الأجدر بأن يكون أمينا على ذلك المكان. لا لأنه أفضل منهم ولا لأنه أذكى بل لأنه الوحيد الذي لم ينظر إلى البيت بعين الطمع. لأن الأمانة كما قال لا تأتي من الرغبة في الامتلاك بل من القدرة على الاكتفاء. ومن لا ينتظر مقابلا لا يخون لأنه لا يرى في الشيء وسيلة بل مسؤولية.

وأضاف بصوت ازداد هدوءا المال ليس مكافأة. المال اختبار. اختبار لما في القلوب قبل الجيوب لما في النوايا قبل الأيدي. اختبار لمن نكون حين يتاح لنا أن نأخذ. وقال من دون قسۏة ولكن من دون تلطيف لقد فشلتم فيه. حين انتهى بدا وكأن الهواء في الغرفة تغير. لم يعد أحد يعرف أين ينظر. لم يستطع برونو الوقوف. كأن ساقيه خـ,ـانتاه في اللحظة نفسها التي خان فيها كل ما كان يظنه ثابتا. سقط على ركبتيه قرب الســــ,رير. لم يكن ذلك مشهدا مسرحيا ولا محاولة لاستدرار الشفقة. كان اڼهيارا كاملا جسديا ونفسيا لرجل أدرك فجأة حجم ما فعله.

بكى

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى